سيد محمد طنطاوي
198
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
أفعاله - تعالى - الدالة على وحدانيته وقدرته . والجملة الكريمة معطوفة على ما قبلها وهي قوله : * ( خَلَقَكُمْ ) * . أي : وأنزل لكم من كل من الإبل والبقر والغنم والمعز زوجين : ذكرا وأنثى يتم بهما التناسل وبقاء النوع . قالوا : وعبر - سبحانه - عن الخلق بالإنزال ، لما يروى أنه - تعالى - خلق هذه الأنواع في الجنة ثم أنزلها . فيكون الإنزال على سبيل الحقيقة . أو أن الكلام على سبيل المجاز ، لأن هذه الأنعام لا تعيش إلا عن طريق ما تأكله من نبات ، والنبات لا يخرج إلا بالماء النازل من السماء فكأن الأنعام نازلة من السماء ، لأن سبب سببها منزل منها . . أو أن « أنزل » هنا بمعنى أنشأ وأوجد . أو لأن الخلق إنما يكون بأمر من السماء . وقوله - تعالى - * ( يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ) * بيان لكيفية خلق ما خلقه اللَّه من الأناسى والأنعام بتلك الطريقة العجيبة . أي أنه - تعالى - يخلقكم - أيها الناس - بقدرته في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق ، بأن يحولكم من نطفة إلى علقة إلى مضغة ، إلى عظام مكسوة باللحم ، ثم يحولكم بعد ذلك إلى خلق آخر ، وهذه المراحل كلها تتم وأنتم في ظلمات بطون أمهاتكم ، وظلمات الأرحام التي بداخل البطون وظلمات الغشاء الذي بداخل الأرحام والبطون ، وذلك كله من أقوى الأدلة على قدرة اللَّه - تعالى - ورعايته لخلقه . وصدق اللَّه إذ يقول : أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ . فَجَعَلْناه فِي قَرارٍ مَكِينٍ . إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ . فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ « 1 » . واسم الإشارة في قوله - تعالى - * ( ذلِكُمُ اللَّه رَبُّكُمْ لَه الْمُلْكُ ، لا إِله إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ) * يعود إليه - سبحانه - باعتبار أفعاله السابقة . وتصرفون : من الصرف بمعنى الابتعاد عن الشيء إلى غيره . أي : ذلكم العظيم الشأن الذي ذكرنا لكم بعض مظاهر قدرته ، هو اللَّه ربكم الذي له ملك كل شيء ، والذي لا معبود بحق سواه ، فكيف تصرفون عن عبادته إلى عبادة غيره ؟ وكيف تزعمون أن له شريكا أو ولدا . . . مع توفر الأدلة على بطلان ذلك . والمتأمل في هاتين الآيتين يراهما قد ذكرتا ألوانا من البراهين على وحدانية اللَّه - تعالى - وقدرته ، كخلق السماوات والأرض بالحق ، وتكوير الليل على النهار ، والنهار على الليل ، وتسخير الشمس والقمر لمنافع الناس ، وخلق الناس جميعا من نفس واحدة ، ورعايتهم بلطفه
--> ( 1 ) سورة المرسلات الآيات من 20 - 23 .